Nos Ambassades

Nos Consulats

Ambassades Etrangères

Consulats Etrangers

You are here

Home

موريتانيا في محيطها الدولي والاقليمي : خواطر حول الواقع المتغير والتحديات المستقبلية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين

وبعد فإنه لا يخفى عليكم أني لا أشغل أي وظيفة رسمية وبذلك فإن الكلام الذي سأقوله لا يعبر عن وجهة نظر الحكومة الموريتانية بل هي خواطر وآراء شخصية تعبر عن وجهة نظري الشخصية كباحث ودارس للعلاقات الدولية.

من هنا فإن بعض ما أطرحه قد يثير انتباهكم لخروجه عن كثير من "المألوف" أو "السائد"؛ وقد تعمدت ذلك لاستدرار قرائحكم بغية إثراء النقاش.  وقد قال أحدهم إننا نحتاج – دائما - في  السياسة  إلى تغيير "البراديجم" القديم، وتبني "براديجم" جديد لفهم طبيعة النظام العالمي المتغير

فأنتم الدبلوماسيين تنتمون إلى نخبة العالم التي تديره، وتحدد السلم والحرب،  وطرق جلب الاستثمار،  وغير ذلك من كبريات الأمور التي تؤثر على مصير البشرية كلها.  وهو ما يتطلب معرفة وخبرة وحكمة وقدرة على التفكير، والتنبؤ والاستشراف.

فحري بمن هذه صفته ألا يبني مواقفه على " السائد" مما يبث في وسائل الإعلام، ولكنه يكون في بحث دائم،  ورصد دقيق، وتحليل مستمر ونظر متبصر لما  يطرأ على العالم من حوله، حتى يتمكن من تقديم  توصيات دقيقة وموجزة، يمكن أن تبنى عليها قرارات صائبة، وتلفت انتباه رؤسائه إلى كيفية استغلال الفرص الطارئة، وتجنب المخاطر  والتحديات  من  أجل تحقيق مصالح بلده.

وما يسمى بالمصالح الوطنية معروف لدى جميع العقلاء، وتحقيقها هو الهدف الأسمى من السياسة.

فيحددها الفقهاء بدرإ المفاسد وجلب المصالح ونقول نحن، دارسو العلاقات الدولية إن المصالح الوطنية تقوم على  توفير الأمن، وما أمكن من الرفاهية.

ومن أمعن النظر يرى أن المعنيين متقاربان

بعد هذه المقدمة فإني أرى أن أكلمكم عن المواضيع  التالية دون الالتزام  بموضوع معين:

  1. النظام الدولي
  2. كبار اللاعبين
  3. المجموعة العربية مع اهتمام باتحاد المغرب العربي
  4. المجموعة الافريقية مع اهتمام بمجموعة دول الساحل
  5. موريتانيا في محيطها الدولي والاقليمي.

ثم اختم إن شاء الله ببعض مفاتيح المستقبل وملاحظات سريعة حول كيفية الرد على بعض الأسئلة التي قد تطرح

 

 

  1. النظام الدولي

إن الحيرة تبسط أستارها على كثير من مراقبي الوضع الدولي الحالي.

وذلك بسبب التحولات المتسارعة في النظام الدولي

في القرن الماضي كانت أوروبا والولايات المتحدة تسيطران على النظام الدولي...

ولا ينبغي أن نغتر بالحربين في بداية القرن العشرين ومنتصفه والحرب الباردة التي سيطرت على نهايته، فتلك الأحداث على جسامتها لم تمنع الأوروبيين والأمريكيين من بسط سيطرتهم على بقية العالم وتقاسمه كالكعكة

ووضع المؤسسات التي تمكنهم من إدارة العالم  في مجال  السياسية  ـ منظومة الأمم المتحدة ـ وفي المجال الاقتصادي ـ مؤسسات بريتون ودس  ، ومنظمة التجارة العالمية لاحقا، . فهم وضعوا نظم هذه المؤسسات وتقاسموا بينهم النفوذ داخلها.

ولم يمكن إنشاء مجموعة عدم الانحياز من انتزاع شيء يذكر من النفوذ الأوروبي الأمريكي على المنظومة الأممية ومؤسسات بريتون ودس

ولكن العالم بدأ يتغير بشكل متسارع منذ نهاية القرن الماضي وبسرعة أكبر من بداية هذا القرن. حيث برز لاعبون جدد من بينهم عمالقة أصبحوا ينافسون بدهاء وشراسة على قيادة العالم

ولقد حاول كثير من المحللين رسم ملامح العالم الجديد كالأميركي فرانسيس فوكوياما الذي زعم، في مقال كتبه عام سقوط جدار برلين تحت عنوان "نهاية التاريخ " ، أن الإيديولوجيات ستنتهي وستسود الديمقراطية والليبرالية  .  وتنبأ المشؤوم صامويل هنتينغتون بصراع الحضارات

ونشر مركز الدراسات الاستراتيجية الساعي إلى تجديد القيادة الاميركية للعالم PNAC  (Project for the New American Century)

دراسة خلصت إلى أن الولايات المتحدة لكي تقبل أن تنفق على قطاعها العسكري ما يمكنها من قيادة العالم في القرن 21 لا بد أن تتعرض لهزة قوية مثل نكسة بيرل هاربور . وألفت الانتباه إلى أن هذا المركز يضم من بين أعضائه البارزين ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول فولفوفيتز وغيرهم ممن شغل وظائف سامية في إدارة الرئيس بوش

            نشرت هذه الدراسة في شهر سبتمبر عام 2000 وحصلت أحداث نيويورك بعد ذلك بعام وكان بعض واضعي الدراسة قد وصلوا إلى السلطة وحصل ما حصل في العراق وتغيرت خريطة العالم العربي.

ومعلوم أن كثيرا من المفكرين والسياسيين في الغرب يتبنون "عقيدة الصدمة"، من أجل تحقيق الأجندات السياسية والاقتصادية الكبرى التي لا يمكن أن تتحقق في الظروف الطبيعية

وأعود فأقول إن الذي ذكرته من التحولات في النظام الدولي وما بدأ الغرب يفقده من النفوذ إنما  كان في المجالين التقني والاقتصادي ولكن الغرب  بقي محتفظا بتفوقه العسكري.

ومعلوم أنه بالنسبة للذي يمتلك مطرقة فإن كل مشكلة ستبدو له تشبه مسمارا، وعلى هذا حصلت التدخلات العسكرية وأغلبها في المنطقة العربية الاسلامية،  

غير أن كبار اللاعبين الجدد لم يتأثروا بالتصرفات الغربية بل إن العكس  هو الذي حصل حيث أنهكت الحروب الغرب حتى اضطر القادة الاميركيون والاوروبيون إلى  التوجه للصين طلبا لاستثماراتها وودائعها.

 

  1. اللاعبون الكبار

اذكر الآن في شكل نقاط سريعة وضع اللاعبين الدوليين الكبار

  • الولايات المتحدة الاميركية

إن الولايات المتحدة الاميركية لا تزال - وببون شاسع مع  المنافسين/ الملاحقين - هي القوة الأولى في العالم. فليس هنالك مثيل لقدراتها العسكرية ولا تزال هي القوة الاقتصادية الأولى في العالم وتملك مفاتيح قيادة عالم الغد بتقدمها العلمي وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي

غير أن الولايات المتحدة الاميركية دخلت منذ بداية هذا القرن حلقة  مراجعة لسياستها الخارجية فبعد فترة الرئيس بوش الابن وما تميزت به من تدخلات عسكرية واسعة وما صاحب ذلك من انفاق مفرط، قد يكون ناشئا عن هيمنة المحافظين الجدد على مراكز القرار انتخبت الولايات المتحدة براك أوباما رئيسا ليعيد الجنود الأمريكيين  ويوقف نزيف الأموال ففعل ذلك .

ومن أبرز اللاعبين الذين انتهزوا  هذا التقاعس الاميركي روسيا  حيث تدخلت في أكرانيا وسورية، وإيران  التي تدخلت في العراق وسورية

 وعلى المستوى التجاري حول الرئيس أوباما اهتمام بلده نحو آسيا ـ القارة الصاعدة ـ ونحو جيرانه كندا والمكسيك  وخفف من توجه بلده نحو أوروبا.

 وبعد مرحلة الرئيس أوباما أصبح تأثير السياسة الداخلية على السياسة الخارجية أكبر وانتخب الرئيس ترامب

ولما تحظى به الجالية اليهودية الأميركية، ذات الوزن الانتخابي الثقيل، من نفوذ  داخل أجهزة اتخاذ القرار أصبحت السياسة الاميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي تكاد تتطابق مع السياسة الإسرائيلية.

أكدت الإدارة الأميركية أنها لن تستمر في الدفاع عن حلفائها  في الحلف الأطلسي إلا إذا وفوا بالتزاماتهم المالية تجاه الحلف.

ثم إن تراجع الإدارة الأمريكية الجديدة عن الاتفاقية التجارية مع آسيا يفتح الباب على مصراعيه أمام الصين لزيادة قوتها الاقتصادية

وهذه التصرفات تربك حلفاء الولايات المتحدة وتذكي أطماع منافسيها ورغم استعمال إدارة الرئيس ترامب أسلحة تقليدية فتاكة جدا لم يعرفها العالم من قبل في سورية فإن ذلك لم يمنع روسيا وإيران من الاستمرار في بسط نفوذهما في سورية وفي المنطقة

 ومن المعضلات الكبرى التي تواجه الولايات المتحدة الاميركية الآن امتلاك كوريا الشمالية للقنبلة النووية ولصواريخ عابرة للقارات يمكن أن تصل إلى كل نقطة في الولايات المتحدة .

 

  • أوروبا

تظل أوروبا أكبر تجمع اقتصادي في العالم، والأوروبيون يحظون بأحسن خدمات اجتماعية في العالم

غير أن أوروبا بدأت تفقد من وزنها على الساحة الدولية وذلك للأسباب التالية:

  • الشيخوخة التي تؤثر على الانتاج. معدل أعمار الفرنسيين يقارب  40 سنة، وفي ألمانيا 20  %  من السكان تتجاوز أعمارهم 65 سنة بينما تصل نسبة الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة إلى  13,5  % وعليه فإن ألمانيا ستفقد 17 مليون من سكانها في عام 2060 بسبب ضعف نسبة الخصوبة ولهذا السبب ستظل ألمانيا تدعم الوحدة الأوروبية كما قد تفتح من حين لآخر بابا للهجرة
  • النظام السياسي الأوروبي يشهد نموا مستمرا للتيارات المتطرفة دينيا وعنصريا مما يؤثر سلبا على علاقاتها مع محيطها الجغرافي
  • لا يزال الاتحاد الأوروبي متأخرا في مجال الذكاء الاصطناعي كما شهد بذلك المدير العام لشركة أيرباس

بعد خروج المملكة المتحدة بقيت فرنسا هي القوة العسكرية الكبيرة الوحيدة داخل الاتحاد الاوروبي وتسعى فرنسا بشكل مستمر إلى الحصول على دعم شركائها الاوروبيين  وخاصة لتدخلاتها العسكرية في إفريقيا.

 

  • المملكة المتحدة ( بريطانيا)

إن المملكة المتحدة من أهم القوى العسكرية الدولية ولها تاريخ طويل من الهيمنة والنفوذ العالمي،  جعلها على دراية عالية في معرفة التعامل مع معطيات النظام الدولي لتحقيق أهدافها غير أن خروجها المفاجئ من الاتحاد الاوروبي  قد يشغلها  حينا من الوقت ، وإن كنت من الذين يعتقدون أن الانجليز، وهم سادة اللعب الدولي، سيعرفون كيف يحققون مصالح بلدهم خارج الاتحاد الاوروبي

وقد تكون هنالك فرص لبلدنا لجلب استثمارات انجليزية خاصة أن شركة BP ستعمل في موريتانيا  

 

 

  • الصين

الصين هي القوة العظمى الصاعدة وقد قال الرئيس شي جن بين إن الصين ستصبح " القوة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم" ولا يتكلم من فراغ فالصين بعد ما أصبحت مصنع العالم أصبحت اليوم المنافس الأول في مجال الذكاء الاصطناعي ونظرا لما تتمتع به الصين من سعة سوقها فإنها تضغط على عمالقة الصناعة والمعلوماتية لدعم وتطوير انتاجها الوطني

 

  • روسيا

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مرت روسيا بفترة عصيبة ولكنها عرفت كيف تستعمل قدراتها الغازية والنفطية الهائلة؛ وتصدت بجدارة واقتدار للانفلاتات الامنية المتعددة والقادمة من الداخل ومن الخارج وأصبحت عضوا رائدا في مجموعة BRICS  التي ضمت خمس قوى صاعدة.

كما ظلت روسيا ثاني قوة عسكرية عالمية.

ثم إن الرئيس الروسي الذي يردد " أن الذي يملك الذكاء الاصطناعي سيقود العالم " يحرص على تمكين بلده من امتلاك أحدث التقنيات وأحدث البرامج في هذا المجال.

  1. المجموعة العربية

نادت الدول العربية منذ  منتصف الأربعينات من القرن الماضي بالوحدة ورأت على غرار المجموعات البشرية الأخرى، في أوروبا وآسيا وأميركا أن الوحدة تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية وتلبي رغبة شعوبها.

وكون هدف الوحدة العربية لم يتحقق لا يعني أنه لم يكن مفيدا ولا مشروعا ولكن الله سبحانه قيض له، في هذه الحقبة الزمنية، من جعله أكثر أموالا وأكثر نفيرا فأجهضت كل محاولات الوحدة ثم دمرت الدول الرائدة في الدعوة إلى الوحدة.

  • الاتحاد المغاربي

الكابح القوي الذي منع الوحدة العربية ليس مسلطا بنفس القوة على قيام التجمعات العربية الاقليمية كمجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي غير أن مجلس التعاون الخليجي لما سقط عنه الدرع العراقي واضطر إلى مواجهة اللاعبين الإقليمين بدأ يتصدع  وأن اتحاد المغرب العربي، مع أنه تأسس والمشكلة الصحراوية قائمة، لم يتمكن من التقدم في البناء بسبب انعدام الثقة بين أكبر دولتين في هذا الاتحاد وذلك لخلافهما حول قضية الصحراء

لقد كان اتحاد المغرب العربي  - الذي تأسس 1989  -  تجمعا إقليميا واعدا لما يتمتع به من مقومات التكامل، وفرص الاندماج، بيد أن هذا الاتحاد سرعان ما أصيب بالشلل، ولم تنعقد  دورة القمة  منذ 1994م حتى اليوم، وهذا ما يعني أن كل القرارات الكبرى توقفت منذ ذلك التاريخ، وإن بقيت هياكل اتحاد المغرب العربي قائمة شكليا على الأقل.

وعلى الرغم من أن بنية الدولة وهياكلها ونظامها السياسي في دول المغرب العربي -عدا ليبيا لأسباب معروفة - تمتاز بمتانة لا بأس بها   لكن هذا لا يعني  عدم وجود توترات اجتماعية  قد تظهر من حين لآخر ، ووجود  تحديات في مجال التنمية والتعليم والشغل، والبنى التحتية

لكن المشكلة الأكبر هي ضعف الاندماج الفعلي بين دول الاتحاد المغاربي. حيث أن المعاملات التجارية بين بلدانه تقل عن 3 في المائة .

 

  1. الاتحاد الافريقي

يضم الاتحاد الافريقي حوالي 54 دولة، تواجه عددا من التحديات  الداخلية والخارجية – بشكل متفاوت -  كمشاكل التعليم والصحة، وضعف التنمية ، وارتفاع الديون العامة،   وانتشار النزاعات المسلحة،  وانخفاض قيمة المنتجات الاولية، و ضعف المساعدات الخارجية، وارتفاع نسبة الاموال المهربة.

ولكن إفريقيا لها حظوظ لا يستهان بها :

  • ارتفاع نسبة الشباب بين سكانها بينما يشيخ بقية سكان العالم
  •  الخصوبة العالية حيث كان عدد سكان القارة الافريقية يقدر سنة 1900  ب 140 مليون نسمة ووصل سنة 2010 إلى مليار ، وسيصل 2050 الى 2.5 مليار  وإلى أكثر من 4 مليارات سنة 2100 حسب السيناريو المتوسط المتوقع  للأمم المتحدة ولا شك أن هذا العدد الكبير من السكان يفتح أبوابا واسعة للنمو الاقتصادي السريع  لما يوفره من المستهلكين ومن العمالة
  • الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا تمثل 35% من مساحة قارتنا 8% منها أي ما  يزيد على 230000000 هكتار عالية الجودة

فلو تكلمنا عن بلدنا موريتانيا – على سبيل المثال - وهو بلد صحراوي فإن لدينا أكثر من نصف مليون هكتار صالحة للزراعة، لا يستغل منها اليوم إلا ما بين 10 و15% الامر الذي قد يمكننا – لو أحسنا استغلالها - من تغذية مواطنينا ولو تضاعف عددهم 5 مرات

  • يمثل  وجود تجمعات افريقية اقليمية نشطة فرصا كبيرة للتعاون والعمل المشترك بين دول القارة، وإن وجود هذه التجمعات ونجاحاتها ليبشران بمستقبل واعد بالنسبة لقارتنا

 

  • دول الساحل الخمس

تجمع دول  الساحل الخمس، وهو تجمع واعد، تعلق عليه دول  المنطقة وشعوبها والمجموعة الدولية كثيرا من الآمل، لأنه  يعمل - بقوة وفاعلية - للتصدي لمشاكل الارهاب والتهريب، بجميع صوره واشكاله،  ويحظى بدعم دولي كبير،  من شأنه أن يساعد هذه الدول بعد التخلص من ويلات الارهاب إلى التفرغ  إلى  السياسات التنموية  وإنجاحها في مجالات : التعليم،  والتشغيل،  والصحة،  والبنى التحتية ، فضلا عن التصدي للتغيرات المناخية التي تعانيها المنطقة.

 ينضاف إلى هذه  المشاكل الأزمات البنيوية  الناشئة عن هشاشة الدولة المركزية  في منطقة الساحل، والتحولات الاجتماعية العميقة  والمتسارعة التي تعرفها المجتمعات في هذه المنطقة.

من هنا فإنني أرى أن من أولى أوليات دول الساحل تقوية الدولة ومؤسساتها، وبسط سيطرتها على جميع التراب الوطني، فالدول الفاشلة هي مصدر كل الشرور والمخاطر، ولعل الصومال والعراق وليبيا اقرب مثال على ذلك

وقد بذلت بلادنا جهودا كبيرة لإنجاح هذا التجمع

 

  1. موريتانيا في محيطها الاقليمي والدولي

أول ما أبدأ به هو أن موريتانيا بلد صحراوي شاسع له 5800 كم من الحدود لا تغلقها حواجز طبيعية إلا ما كان من الحدود مع السنغال التي فيها نهر يمكن عبوره من كل نقطة على طوله.  أطول هذه الحدود هي حدودنا مع مالي (أكثر من 2200 كم) وإذا أضفنا إلى هذه الحدود تلك التي مع الجزائر ومع الصحراء الغربية يشكل المجموع  3 أرباع من حدودنا؛ ومن كلها قد أتانا  الخطر. وعليه تم تعين منطقة شاسعة، قليلة السكان، قرب هذه الحدود، منطقة عسكرية لا يمكن التجول فيها إلا بموافقة الجيش الموريتاني كما حددنا نقاط عبور مجهزة  باللوازم العدلية والجمركية الخاصة يتعرض الداخل من غيرها إلى الملاحقة العسكرية والمتابعة العدلية.

ولقد اعتمدت موريتانيا على نفسها وبرهنت عن صدق على قدرتها وعزمها على التصدي لكل ما يمس أمنها بملاحقتها للإرهابيين داخل التراب المالي وذلك قبل أن يكسر التدخل الفرنسي شوكة الإرهاب هناك.

من ناحية أخرى تسعى ديبلوماسيتنا بشكل مستمر إلى إحلال الأمن والسلام في محيطنا الجغرافي ولا شك أنكم تذكرون ذهاب فخامة الرئيس الموريتاني  السيد محمد ولد عبد العزيز إلى كيدال للوساطة بين السلطة المركزية  المالية والطوارق وتذكرون أيضا ذهابه مرتين إلى غامبيا للحيلولة دون وقوع انفلات أمني عند حدودنا الجنوبية

فيما يخص التنمية كانت بلادنا، طيلة عقود مضت، تعتمد على الغير في المشاريع الباهظة الثمن والتي تخص البنية التحتية. وفي هذا الصدد كانت تحصل على :

  1. تمويلات سخية من الدول العربية لكن هذه التمويلات آئلة إلى الاضمحلال لتدمير دولتين قوميتين سخيتين هما العراق وليبيا وانشغال دول الخليج بأزمات إقليمية مكلفة في الوقت الذي يتراجع فيه سعر النفط
  2. تمويلات تأتي من الاتحاد الأوروبي يصاحبها كثير من الشروط  والتدخلات في كثير من أمورنا.

وهنا أيضا بدأت التمويلات تنقص وتتجه نحو أغراض تهمهم بالدرجة الأولى كمكافحة الهجرة و الارهاب والتهريب ودعم المنظمات غير الحكومية التي يخدم توجهها وعملها مثيلاتها الأوروبية.

  1. بعد ملاحظة هذا النضوب المتسارع  لمصادر تمويلاتها الخارجية التقليدية اعتمدت موريتانيا على نفسها وانجزت في السنوات  الثمانية الماضية أعمالا جساما كان يقال إنها غير ممكنة إلا بتمويلات خارجية كبيرة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر أنجز أكثر من 3000 كم من الطرق المعبدة وأنجزت قناة آفطوط الساحلي التي ستمكن من ري أكثر من 50000 هكتار وأنجز مطار أم التونسي الدولي وتحت الإنجاز قصر لاستقبال القمة الافريقية في منتصف العام القادم كما تبنى بيوت استقبال الرؤساء وكبار الضيوف

  1. ويتوقع أن يفتح انتاج الغاز والبترول آفاقا واعدة لتنمية البلد

 

بعد هذه الملاحظات السريعة حول الوضع الدولي وبعض اللاعبين الكبار والاقليميين اذكر الآن بعض

المفاتيح التي أرى أنها ستحدد ملامح عالم الغد:

  •  المفتاح الأول هو كون الناس وخاصة النخب لم يعودوا يقرؤون وعليه فان التأثير الأكبر في تحديد الرأي العام المحلي والدولي أصبح بيد وسائل الاعلام ووسائل الاتصال الجماعي
    • ومن هنا بدأ دور الأحزاب السياسية بأشكلها الحالية يضمحل ويصل الى السلطة أشخاص من خارج الأحزاب كما حصل في الولايات المتحدة وفِي فرنسا وغيرها
    • أصبحت الانتخابات الديمقراطية تأتي بما لا يخدم مصلحة الشعوب كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي  ووصول كثير من الاحزاب اليمينية المتطرفة إلى البرلمانات الأوروبية وحتى إلى السلطة كما في النمسا
    • صارت وسائل الإعلام هي التي توجه الرأي العام المحلي والدولي وتنتقي ما يجب أن يهتم به الناس
    • أصبحت أهم  وسائل الاعلام التي لا تملكها الدول ملكا لكبار رجال الأعمال
  • المفتاح الثاني هو التغير المتسارع  في مناخ الأرض ولا شك أن بلدنا مهيئ ليكون من بين أكثر البلدان تأثرا بتغيير المناخ وألفت الانتباه إلى ضرورة متابعة الصلة مع مجموعة TAP  ودعم مشروعها ومحاولة ربطه بمشروع السكة الحديدية نواكشوط  ـ انجامينا الذي أقره قادة ج5
  • المفتاح الثالث هو كون الروبوتات ستقوم بمعظم الأعمال اليدوية في المستقبل القريب فكيف يكون الوضع عندنا من تشغيل وأقوات الناس
  • المفتاح الرابع هو كون دور الآلات سيزداد في الحروب فكيف نواكب ذلك
  • المفتاح الخامس هو الدور المتنامي  الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي وخاصة في مجال التكنولوجيا  والاقتصاد والحرب
  • المفتاح السادس  هو محاولة اللاعبين الكبار الجدد، وخاصة الصين، تغيير الحكامة التي تفرضها مؤسسات بريتون ودس على العالم
  •  المفتاح السابع هو محاولة كثير من اللاعبين، ومن بينهم الأفارقة، تغيير تكوين مجلس الأمن في الأمم المتحدة
  • المفتاح الثامن هو معرفة مستقبل تأثير العملات المشفرة وهل ستصل إلى مستوى يمكنها من لعب دور يذكر في التجارة الدولية
  • المفتاح التاسع  هو أن دول المغرب العربي تفقد كلها على الأقل نقطتين من مؤشر نموها، بسبب عدم الاستفادة من التجارة البينية فمتى ستتنبه لذلك
  • المفتاح العاشر هو كون الدول الغربية لها أولوياتها وقد لا تتطابق مع أولوياتنا
    • فهم يهتمون كثيرا بتوفر الطاقة في المستقبل لأن دولهم  توشك أن تستنفذ مخزونها من الطاقة الكربونية حتى أصبحت تستخرج "الغاز الصخري "  (les gaz de chiste) وهو تصرف قاسي على البيئة. ولا  يتحدثون عن توفر الغذاء لأنه متوفر عندهم ولا يخشون نقصه في المستقبل بينما يكون أمر الغذاء غاية في الأهمية بالنسبة للعرب وللأفارقة
    • مع دول ج 5 الساحل نجد أن الأولوية عندهم هي محاربة الإرهاب والهجرة والتهريب بينما نرى أن أولويات دول الساحل تختلف مع أولويات الدول الغربية كما تختلف فيما بينها نجد أن بلدنا موريتانيا الذي قضى على الإرهاب وبسط سلطته على كامل ترابه يضع على رأس أولوياته توفير ما أمكن من الرفاهية والخدمات لسكانه بالسعي إلى تحسين التعليم والصحة واستكمال البنية التحتية وتشغيل الشباب ومكافحة آثار الجفاف وغير ذلك ونجد أن بلدانا أخر من هذه المجموعة لا تسيطر على كامل ترابها وأن الأولوية بالنسبة لهم ينبغي أن تكون بسط السيطرة على كافة التراب الوطني ثم مكافحة الإرهاب والتهريب ثم توفير ما أمكن من الرفاهية والخدمات لسكانهم
    • لديهم غرض خفي وهو أن بعض منظريهم يزعم أن الصراعات الخفيفة (low intensity conflict ) تخدم مصالحهم. فقطاع السلاح الفرنسي مثلا يشغل أكثر من مائتي ألف شخص وهؤلاء سيفقدون وظائفهم إذا لم تكن هنالك صراعات وحروب

هذه بعض المفاتيح والمؤشرات التي قد يساعد استحضارها في فهم التغيرات المتسارعة للنظام الدولي أو في تحليل  تصرف لاعب كبير أو إقليمي.

 

وكما وعدت أختم بملاحظات سريعة حول كيفية الرد على بعض الأسئلة التي قد تطرح .

دعوني أذكر بما قلت في البداية وهو أن الدبلوماسي ليس إنسانا عاديا ولا حياديا بل هو من النخبة التي تدرس العالم من حولها وترصد ما يمكن استغلاله لخدمة مصالح بلده.

وأنتم تمثلون بلدا ينبغي أن تعتزوا بماضيه وحاضره ومستقبله فليس هنالك ما يجعلكم تخجلون وتطأطئون الرؤوس:

  • نعم مجتمعنا، كباقي المجتمعات التقليدية السائرة بشكل متسارع  نحو الحداثة،  يشهد من حين لآخر،  بعض التشنجات والهزات، وهذا  أمر صحي وطبيعي، فلا ولادة دون شيء من العسر. لكن دخول الغير في تفاعلات مجتمعنا لإشعال الفتنة لا يجوز ويثير الريبة حول مقصد فاعله
  • سكان منطقة الساحل كلها من عرب وفلان وطوارق وزغاوة وغيرهم عنصر واحد تغلب عليه السمرة وإن كانت ألوان بعضهم أفتح من بعض؛ غير أنه لا يمكن بالنظر إلى لون شخص ما أن نعرف هل هو عربي أو فلاني أو من الطوارق أو غير ذلك
  • في موضوع الإرهاب من المهم التذكير بالاستراتيجية ذات الأبعاد الثلاثة التي مكنت بلدنا من الوصول إلى هذا المكان المرموق من بين الدول القليلة التي عرفت كيف تتعامل مع معضلة العصر
    • البعد الأول : مسار وقائي وهو مسار طويل النفس يهدف إلى تجفيف منابع التطرف وتعقيم البيئات الحاضنة له بغية تحصين الشباب من هذا الفكر الفتاك ويقوم أساسا على
      • بسط سلطة الدولة على كافة التراب الوطني ومن ذاك إنشاء البلديات وتسيير الدوريات العسكرية في كل مكان
      • التعليم فالدين الإسلامي يتنافى مع الإرهاب ومعرفته تدفع إلى الوسطية والاعتدال وعليه تم إنشاء جامعة العيون قرب الحدود المالية في منطقة الاحتكاك مع الشباب المتطرف؛ كما تم إنشاء قناة تلفزيونية وإذاعة تعلمان الدين الحق
    •            البعد الثاني : مسار علاج  وهو مسار ذو طبيعة استعجالية يهدف إلى التعامل مع الذين انتقلوا من مرحلة اعتناق الفكر المتطرف إلى مرحلة ممارسة العنف في الواقع قصد كسر شوكتهم وإعادتهم إلى جادة الصواب. وهو عمل تقوم به قواتنا العسكرية والأمنية على أكمل وجه
    •       البعد الثالث : مسار متابعة وهو مسار إمني بامتياز
      • يتعامل مع العائدين من الحركات الإرهابية ومع السجناء ليختبر من يصلح منهم للدمج في المجتمع ومن لايزال يشكل خطرا وينبغي حجزه
      • يرصد الساحة الوطنية لمتابعة الذين يعتنقون التفكير المتطرف

أشكركم على حسن الاستماع ، وأرجو ألا أكون قد أطلت عليكم بهذه الخواطر ، وأكتفي بهذا القدر وسأرد على أسئلتكم إن كانت هنالك أسئلة باللغة التي تطرح بها

 والسلام عليكم ورحمة الله  

Arabic

Le Ministre

le Ministre.jpg

 Mots du ministre 

 

 Biographie 

  

Ministre Déléguée

Rejoignez-nous

facebook.pngtwitter.pngnews.pngyoutube.png